الصفحة الرئيسية أخبار فتاوي كتب مقالات صوتيات ومرئيات انشر الموقع اتصل بنا البث المباشر جوجل بلس تويتر فيس بوك

خطبة الجمعة - 15/8/2014 - انتصار دين الله بالرغم من المكر العالمي
المزيد
توضيح لفتاوى العلماء - الواردة في وقفات د. فهد الخنة

توضيح لفتاوى العلماء

الواردة في وقفات د. فهد الخنة

 

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد،،

قرأت لفضيلة النائب السابق الشيخ د. فهد الخنة حفظه الله ورعاه مقالاً بأسلوب راقٍ يتعلق بالمظاهرات. ولكن فضيلته عرج على موضوع التكفير وليته لم يفعل، فقد لا يضعها بعض الشباب موضعها الصحيح. إذ ما عصف ببعض شباب الأمة نحو فتنة تكفير الحكام والشعوب وسفك دماء الأبرياء من المسؤولين ورجال الشرطة وغيرهم ونحرهم والتفجيرات في بلاد المسلمين إلا عندما لم يفهم أولئك الشباب تلك الفتاوى للعلماء الأفاضل التي انتشرت بين عامتهم، حيث لم يضعوها موضعها الصحيح التي أرادها أولئك العلماء المفتون، ولم يفهموها كما فهمها فضيلة د. فهد الذي صرح بأن حكامنا وشعوبنا لا تشملهم تلك الفتاوى.

لقد عشنا سنوات بعد التحرير وقلوبنا تحترق بسبب انتشار ذاك الفكر التكفيري بين الشباب محتجين بالفتاوى للعلماء الأفاضل ونشروها في كل مكان، وأضحت شغلهم الشاغل. وحصل صراع فكري ونقاشات وحوارات ومحاولات لإرجاعهم إلى الجادة السليمة ولم تنجح إلا بنسبة قليلة، وانتشرت التفجيرات في الدول العربية الشقيقة المجاورة وسفكت فيها الدماء، ووصلت إلينا في الكويت، وكفروا حكامنا بسبب ذلك إلى أن تبنى العالم محاربته لما طالهم ذاك الفكر، سواءً بتدبير منهم أو بغير تدبير، بسوء نية أم بحسنها.

فتبنت الحكومات العربية والإسلامية والغربية منهج محاربة الإرهاب، فتراجع الكثيرون عن ذاك الفكر، وهدأت الأوضاع بعض الشيء، وما زال هذا الفكر له بقايا، وقل انتشار تلك الفتاوى وأمست في طي الكتب كباقي المسائل العقدية. بل حتى أولئك العلماء الأفاضل لما رأوا ما عصف بالعالم الإسلامي من ذلك الفكر، وأن أولئك الشباب لم يضعوا تلك الفتاوى موضعها الصحيح وامتنعوا عن الإجابة عن مثل تلك المسائل وأرجعوهم إلى كتب السلف لمعرفة الإجابة، وحمدنا الله تعالى. لذا فهو عتاب لفضيلة د. فهد أرجو أن يقبله لاسيما وأن أصل مقالته ليس هذا الموضوع. ولفضيلته يد مشهودة في إنكار المنكر، والحفاظ على الهوية الإسلامية، والدعوة إلى الله تعالى وهي شغله الشاغل سواءً كان أستاذاً في كلية الشريعة أو نائباً أو رجل أعمال.

ولي بعض التوضيحات للفتاوى المذكورة للعلماء لئلا يضع بعضهم مقالة د. فهد في غير موضعها الصحيح فنرجع مرة أخرى إلى الوضع السابق من انتشار الفكر التكفيري. وعسى الله تعالى أن يبارك في جهود د. فهد وجهود جميع الدعاة المخلصين، فنحن الآن أحوج إلى التآلف والاجتماع بعد الهجوم العاصف على هذه الأمة المباركة الموعودة بالظفر والتمكين.

الوقفة الأولى: فتوى الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله تعالى

أولاً: ذكر الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله تعالى مقدمة قبل أن يسوق فتواه والتي تبين بياناً واضحاً أن الذي حكم بكفره هو من جعل القانون الوضعي المناقض للشريعة من ”الهدى“، وجعله ”بمنزلة حكم الله تعالى“ وأنه حكم به ”معاندة“ لأمر الله تعالى ”ومناقضة له“. إذ قال في مقدمة فتواه ”وهي رسالة تحكيم القوانين“: (إن من الكفر الأكبر المستبين، تنزيل القانون اللعين منزلة ما نزل به الروح الأمين، على قلب محمد r ليكون من المنذرين، بلسان عربي مبين، في الحكم به بين العالمين، والرد إليه عند تنازع المتنازعين، مناقضة ومعاندة لقول الله عز وجل (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر، ذلك خير وأحسن تأويلاً)، ثم قال: (وهؤلاء القانونيون يرونه ”القانون الوضعي“ من الهدى). ثم ذكر أقسام الحكم بغير ما أنزل الله تعالى. ثم قال: (الخامس: وهو أعظمها وأشملها وأظهرها معاندة للشرع، ومكابرة لأحكامه، ومشاقة لله ولرسوله، ومضاهاة بالمحاكم الشرعية، إعداداً وإمداداً وإرصاداً وتأصيلاً، وتفريعاً وتشكيلاً وتنويعاً وحكماً وإلزاماً، ومراجع ومستندات. فكما أن للمحاكم الشرعية مراجع مستمدات، مرجعها كلها إلى كتاب الله وسنة ورسوله r، فلهذه المحاكم مراجع هي القانون الملفق من شرائع شتى، وقوانين كثيرة كالقانون الفرنسي، والقانون الأمريكي، والقانون البريطاني، وغيرها من القوانين، ومن مذاهب بعض البدعيين المنتسبين إلى الشريعة وغير ذلك). انتهى كلام الشيخ

ومن المعلوم أن من جعل القوانين الوضعية المناقضة للشرع هدى، وجعلها بمنزلة الشرع، وحكم به معاندة لقول الله عز وجل، ومناقضة له فهو أشملها وأعظمها وأظهرها معاندة ومكابرة ومشاقة لله ولرسوله.

ثانياً: مما يوضح ذلك أن الشيخ في فتاواه (1/80) بتاريخ 9/1/1385 هـ، أي بعد طباعة الفتوى المذكورة سابقاً وهي ”رسالة تحكيم القوانين“ بخمس سنين بين القاعدة في ذلك، إذ يقول: (وكذلك تحقيق معنى أن محمداً رسول الله من تحكيم شريعته، والتقيد بها، ونبذ ما خالفها من القوانين والأوضاع وسائر الأشياء التي ما أنزل الله بها من سلطان والتي من حكم بها أو حاكم إليها معتقداً صحة ذلك وجوازه فهو كافر الكفر الناقل عن الملة، وإن فعل ذلك بدون اعتقاد ذلك وجوازه فهو كافر الكفر العملي الذي لا ينقل عن الملة) أ.هـ فلنلحظ قول الشيخ هنا: ”القوانين“ وهي التشريعات العامة، ولم يقل الحكم مرة واحدة لهوى أو لرشوة. ففرق بين من حكم بالقوانين وهي تشريع عام معتقداً الصحة والجواز فحكم بكفره، ومن حكم بها بدون اعتقاد ذلك فلم يحكم بكفره.

ثالثاً: هذا هو الذي بينه الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله تعالى في توضيحه لفتوى الشيخ محمد بن إبراهيم. وإليك نص السؤال الموجه للشيخ ابن باز رحمه الله تعالى: (هناك فتوى للشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ -رحمه الله- يستدل بها أصحاب التكفير هؤلاء على أن الشيخ لا يفرق بين من حكم بغير شرع الله عز وجل مستحلاً ومن ليس كذلك، كما هو التفريق المعروف عند العلماء؟

فأجاب سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز –رحمه الله-:

هذا الأمر مستقر عند العلماء كما قدمت أن من استحل ذلك فقد كفر، أما من لم يستحل ذلك كأن يحكم بالرشوة ونحوها فهذا كفر دون كفر. أما إذا قامت دولة إسلامية لديها القدرة فعليها أن تجاهد من لا يحكم بما أنزل الله حتى تلزمه بذلك.

ثم سئل -رحمه الله تعالى-: وهم يستدلون بفتوى الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ -رحمه الله تعالى؟

فأجاب سماحة الشيخ ابن باز -رحمه الله تعالى-:

محمد بن إبراهيم ليس بمعصوم.. عالم من العلماء، يخطئ ويصيب، وليس بنبي ولا رسول، وكذلك شيخ الإسلام ابن تيمية، كذلك ابن القيم وابن كثير، وغيرهم من العلماء والأئمة الأربعة كلهم يخطئ ويصيب، ويؤخذ من قولهم ما وافق الحق، وما خالف الحق يرد على قائله ولو أنه كبير). حوار حول مسائل إيمانية مُلحة (19-21)

رابعاً: ثم إذا لم تقيد فتوى الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله تعالى بالتقييد الذي ذكره الشيخ نفسه في مقدمة فتواه فإن القوانين الوضعية الكويتية داخلة في تلك الفتوى على الإطلاق الذي أطلقته، لاسيما قانون الجنايات فإنه تشريع عام في القذف والزنا والسرقة وشرب الخمر وغير ذلك. فإنه مستمد من القوانين المصرية المستمدة من القانون الفرنسي وغيره إعداداً وإمداداً وإرصاداً وتأصيلاً وتفريعاً وتشكيلاً وتنويعاً وحكماً وإلزاماً ومراجع ومستندات. فكما أن للقوانين الشرعية مستندات مرجعها كلها إلى كتاب الله تعالى وسنة رسوله r، فلهذه القوانين الوضعية مراجع هي القانون الفرنسي وغيره. وإخراجنا لها من فتوى الشيخ لا يخرجها من عموم الفتوى المذكورة لتحقق العلة فيها، إلا إذا قيدت بالقيود المذكورة.

فهذا يقتضي تكفير حكام أغلب الدول العربية والإسلامية ومنها حكام الكويت، ولا تبقى إلا دولة واحدة فقط؟ فهذا ليس صحيحاً.

فالمسألة خطيرة جداً وما عصفت موجة التكفير والتفجيرات في العالم الإسلام والإرهاب وسفك دماء الأبرياء من المسلمين إلا بسبب تكفير الحكام.

خامساً: أما الفتوى المختصرة التي نقلها د. فهد عن الشيخ محمد بن إبراهيم -رحمه الله تعالى- التي قال فيها سماحته: (وأما الذي قيل فيه كفر دون كفر إذا حاكم إلى غير الله مع اعتقاده أنه عاصٍ، وأن حكم الله هو الحق فهذا الذي يصدر منه المرة ونحوها، أما الذي جعل قوانين بترتيب وتخضيع هو كفر، وإن قالوا أخطأنا، وحكم الشرع أعدل) أ.هـ

فلهذه الفتوى عدة وجوه:

الوجه الأول: إما أن نأخذ العبارة الأخيرة على إطلاقها، فنكفر حكامنا وسائر حكام الدول العربية والإسلامية إلا دولة واحدة فقط. فقانون الجنايات الكويتي تشريع عام ليس حكماً يصدر مرة واحدة لرشوة أو لهوى، إنما هو مجموعة من القوانين بترتيب وتخضيع، ومضاهاة بالقوانين الشرعية إمداداً وإرصاداً وتأصيلاً وتفريعاً وتشكيلاً وتنويعاً، وحكماً وإلزاماً ومراجع ومستمدات. فكما أن للقوانين الشرعية مراجع ومستمدات مرجعها كلها إلى كتاب الله تعالى وسنة رسوله r فلهذه القوانين مراجع هي القانون الملفق من شرائع شتى لا سيما القانون الفرنسي وغيره ومنه أخذ القانون المصري، فأخذ منه القانون الكويتي في الجنايات.

فهذه العلة هي التي أصَّل عليها سماحة الشيخ حكمه بالتكفير إذا لم نقيدها بما ورد في مقدمتها.

الوجه الثاني: أو يقال بتقييد فتوى الشيخ بما سبق ذكره من التقييدات التي ذكرها في مقدمة فتواه المفصلة، وهو الصحيح. إذ من المعلوم أن الكلام المختصر لا تذكر فيه جميع الضوابط والحدود والتقييدات، وإنما يرجع فيه إلى الكلام المستفيض المطول لمعرفة الضوابط والتقييدات. وإلا لحكمنا بكفر كل عاصٍ وخلوده في نار جهنم لعموم قول الله تعالى (ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله ناراً خالداً فيها وله عذاب مهين)، ذلك إذا لم نرجع إلى باقي الآيات في المواضع الأخرى التي تذكر الضوابط والقيود للخلود في النار، أعاذنا الله منها أجمعين.

الوجه الثالث: أن يقال: إن فضيلة الشيخ حكم بذلك من خلال القرائن فظن كفره، وهذا الظن من خلال القرائن ليس أحسن حالاً من حكم الصحابة رضي الله عنهم بتكفير آخرين، كحكم أسامة بن زيد t بكفر من شهد بالتوحيد خوفاً من السيف، وحكم عمر بن الخطاب t بنفاق حاطب لأنه على لسان عمر t: (قد خان الله ورسوله المؤمنين).

وليس أحسن حالاً من حكم أسيد بن حضير t بنفاق سعد بن
عبادة  tلما انتصر لابن سلول في اتهامه لعرض النبي r. والجميع كانوا مخطئين في هذا التكفير والحكم بالنفاق.

الوجه الرابع: إذا لم يصح أي وجه من الوجوه الثلاثة فتبقى إجابة الشيخ ابن باز رحمه الله تعالى: (هذا الأمر مستقر عند العلماء كما قدمت أن من استحل ذلك فقد كفر، أما من لم يستحل ذلك كأن يحكم بالرشوة ونحوها فهذا كفر دون كفر. أما إذا قامت دولة إسلامية لديها القدرة فعليها أن تجاهد من لا يحكم بما أنزل الله حتى تلزمه بذلك. ثم سئل -رحمه الله تعالى-: وهم يستدلون بفتوى الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ -رحمه الله تعالى؟ فأجاب سماحة الشيخ ابن باز -رحمه الله تعالى-: محمد بن إبراهيم ليس بمعصوم.. عالم من العلماء يخطئ ويصيب وليس بنبي ولا رسول، وكذلك شيخ الإسلام ابن تيمية، كذلك ابن القيم وابن كثير، وغيرهم من العلماء والأئمة الأربعة كلهم يخطئ ويصيب، ويؤخذ من قولهم ما وافق الحق، وما خالف الحق يرد على قائله ولو أنه كبير) انتهى كلام الشيخ ابن باز. ويبقى القول الذي رجحه ابن جرير وابن القيم وابن العز الطحاوي وبينه الشيخ ابن باز رحمه الله تعالى ونقله عن السلف واستقر عندهم وأجاب بها عن الفتوى المنقولة عن شيخه رحمهم الله تعالى.

الوقفة الثانية: فتوى الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله تعالى

1- قال رحمه الله: (ومن يَدْرس القوانين أو يتولى تدريسها ليحكم بها، أو ليعين غيره على ذلك مع إيمانه بتحريم الحكم بغير ما أنزل الله، ولكن حمله الهوى أو حب المال على ذلك، فأصحاب هذا القسم لا شك فساق وفيهم كفر وظلم وفسق، لكنه كفر أصغر، وظلم أصغر، وفسق أصغر. ولا يخرجون به من دائرة الإسلام، وهذا القول هو المعروف بين أهل العلم.. ومن يدرس القوانين أو يتولى تدريسها مستحلاً للحكم بها، سواء اعتقد أن الشريعة أفضل أم لم يعتقد ذلك فهذا القسم كافر بإجماع المسلمين كفراً أكبر، لأنه باستحلاله الحكم بالقوانين الوضعية المخالفة لشريعة الله يكون مستحلاً لما علم من الدين بالضرورة أنه محرم، فيكون في حكم من استحل الزنا والخمر ونحوهما، ولأنه بهذا الاستحلال يكون قد كذب الله ورسوله، وعاند الكتاب والسنة، وقد أجمع علماء الإسلام على كفر من استحل ما حرمه الله، أو حرم ما أحله الله مما هو معلوم من الدين بالضرورة). مجموع فتاوى ومقالات متنوعة (2/326-330)

2- وسئل أيضاً: كثير من المسلمين يتساهلون في الحكم بغير شريعة الله، والبعض يعتقد أن ذلك التساهل لا يؤثر في تمسكه بالإسلام. والبعض الآخر يستحل الحكم بغير ما أنزل الله ولا يبالي بما يترتب على ذلك. فما هو الحق في ذلك.

فأجاب –رحمه الله-:

(هذا فيه تفصيل. وهو أن يقال: من حكم بغير ما أنزل الله وهو يعلم أنه يجب عليه الحكم بما أنزل الله وأنه خالف الشرع ولكن استباح هذا الأمر، ورأى أنه لا حرج عليه في ذلك، وأنه يجوز له أن يحكم بغير شريعة الله فهو كافر كفراً أكبر عند جميع العلماء، كالحكم بالقوانين الوضعية التي وضعها الرجال من النصارى أو اليهود أو غيرهم فمن زعم أنه يجوز الحكم بها، أو زعم أنها أفضل من حكم الله، أو زعم أنها تساوي حكم الله وأن الإنسان مخير إن شاء حكم بالقرآن والسنة وإن شاء حكم بالقوانين الوضعية، من اعتقد هذا كفر بإجماع العلماء كما تقدم.

أما من حكم بغير ما أنزل الله لهوى، أو لحظ عاجل وهو يعلم أنه عاص لله ولرسوله وأنه فعل منكراً عظيماً، وأن الواجب عليه الحكم بشرع الله فإنه لا يكفر بذلك الكفر الأكبر، لكنه قد أتى منكراً عظيماً ومعصية كبيرة وكفراً أصغر كما قال ذلك ابن عباس ومجاهد وغيرهما من أهل العلم، وقد ارتكب بذلك كفراً دون كفر، وظلماً دون ظلم، وفسقاً دون فسق، وليس هو الكفر الأكبر، وهذا قول أهل السنة والجماعة). مجموع فتاوى سماحة الشيخ ابن باز (3/990-991)

3- نشرت جريدة الشرق الأوسط في عددها (6156)، بتاريخ (12/5/1416هـ) والذي طبع في رسالة منفصلة باسم (فتنة التكفير)، لسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز –رحمه الله- مقالةً علق فيها على فتوى الشيخ الألباني –رحمه الله- (بعدم كفر من حكم بالقوانين الغربية ما لم يستحله) قال فيها (ص 45-46):

اطلعت على الجواب المفيد القيم الذي تفضل به صاحب الفضيلة الشيخ محمد ناصر الدين الألباني -وفقه الله- المنشور في جريدة الشرق الأوسط وصحيفة المسلمون الذي أجاب به فضيلته عن أسئلة عن ”تكفير من حكم بغير ما أنزل الله من غير تفصيل“، فألفيتها كلمة قيمة قد أصاب فيها الحق، وسلك فيها سبيل المؤمنين، وأوضح -وفقه الله- أنه لا يجوز لأحد من الناس أن يكفر من حكم بغير ما أنزل الله بمجرد الفعل من دون أن يعلم أنه استحل ذلك بقلبه، واحتج بما جاء في ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما وغيره من سلف الأمة.

ولا شك أن ما ذكره في جوابه في تفسير قوله تعالى: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون)، (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون)، (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون) هو الصواب. وقد أوضح -وفقه الله- أن الكفر كفران أكبر وأصغر، كما أن الظلم ظلمان، وهكذا الفسق فسقان أكبر وأصغر. فمن استحل الحكم بغير ما أنزل الله أو الزنا والربا أو غيرهما من المحرمات المجمع على تحريمها فقد كفر كفراً أكبر، ومن فعلها بدون استحلال كان كفره كفراً أصغر، وظلمه ظلماً أصغر، وهكذا فسقه). جريدة الشرق الأوسط (6156)

4- وقال سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز –رحمه الله-

(فمن حكم بغير ما أنزل الله فلا يخرج عن أربعة أمور:

أ- من قال: أنا أحكم بهذا لأنه أفضل من الشريعة الإسلامية فهو كافر كفراً أكبر.

ب- من قال: أنا أحكم بهذا، لأنه مثل الشريعة الإسلامية، فالحكم بهذا جائز، وبالشريعة جائز، فهو كافر كفراً أكبر.

ج-  ومن قال: أنا أحكم بهذا، والحكم بالشريعة الإسلامية أفضل، ولكن الحكم بغير ما أنزل الله جائز، فهو كافر كفراً أكبر.

د- من قال: أنا أحكم بهذا، وهو يعتقد أن الحكم بغير ما أنزل الله لا يجوز، ويقول: الحكم بالشريعة الإسلامية أفضل، ولا يجوز الحكم بغيرها. ولكنه متساهل، أو يفعل هذا لأمر صادر عن أحكامه فهو كافر كفراً أصغر لا يخرج من الملة، ويعتبر من أكبر الكبائر).

المرجع: فضية التكفير بين أهل السنة وفرق الضلال (72-73) لسعيد بن رهف القحطاني.

5- سئل الشيخ ابن باز -رحمه الله تعالى- هل تبديل القوانين يعتبر كفراً مخرجاً من الملة؟

فأجاب الشيخ ابن باز -رحمه الله-:

(إذا استباحه. إذا استباح حكم بقانون غير الشريعة يكون كافراً كفراً أكبر، إذا استباح ذلك. أما إذا فعل ذلك لأسباب خاصة عاصياً لله من أجل الرشوة، أو من أجل إرضاء فلان أو فلان، ويعلم أنه محرم يكون كفراً دون كفر. أما إذا فعله مستحلاً لها يكون كفراً أكبر. كما قال ابن عباس في قوله تعالى: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون)، (الظالمون)، (الفاسقون). قال: ليس كمن كفر بالله، ولكن كفر دون كفر.

أي إذا استحل الحكم بقانون، أو استحل الحكم بكذا أو كذا غير الشريعة يكون كافراً، أما إذا فعلة لرشوة، أو لأتاوة بينه وبين المحكوم عليه، أو لأجل إرضاء بعض الشعب، أو ما أشبه ذلك فهذا يكون كفراً دون كفر).

* فقال له السائل: هل هناك فرق بين التبديل وبين الحكم في قضية واحدة؟! يعني فيه فرق في هذا الحكم بين التبديل ككل والحكم في قضية واحدة؟ التبديل يا شيخ؟

فأجاب الشيخ ابن باز –رحمه الله-:

(إذا كان لم يقصد بذلك الاستحلال، وإنما حكم بذلك لأجل أسباب أخرى يكون كفراً دون كفر، أما إذا قال: لا حرج بالحكم بغير ما أنزل الله، وإن قال الشريعة أفضل، لكن إذا قال ما في حرج، مباح، يكفرُ بذلك كفراً أكبر، سواءٌ قال إن الشريعة أفضلُ، أو مساوية، أو رأى أفضل من الشريعة، كله كفر).

* ثم قال السائل: يعني هذا الحكم يشمل التبديل وعدم التبديل، يعني يشمل كل الأنواع؟

فأجاب الشيخ ابن باز –رحمه الله-:

(جميع الصور، في جميع الصور.

لكن يجب أن يمنع، ويجب منع ذلك، وهو كفر دون كفر، ولو قال ما قصدت ولو قال ما استحليته، بيني وبين فلان عداوة، أو رشوة. يجب أن يمنع، فلا يجوز لأحد أن يحكم بغير ما أنزل الله مطلقاً، ولو كان بينه وبين المحكوم عليه عداوة، أو لأسباب أخرى يجب المنع من ذلك. يجب على ولي أمره أن يمنعه من ذلك، وأن يحكم بشرع الله).

المرجع: حوار حول مسائل التكفير مع العلامة الشيخ عبد العزيز بن باز -رحمه الله تعالى- (20-22)

الوقفة الثالثة: الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى

ذكر فضيلة د. فهد الخنة في مقالته ما يلي:

(كما سئل شيخنا العلامة ابن عثيمين حول ذلك فقال رحمه الله تعالى: من لم يحكم بما أنزل الله استخفافاً به، أو احتقاراً له، أو اعتقاداً أن غيره أصلح منه وأنفع للخلق فهو كافر كفراً مخرجاً من الملة. ومن هؤلاء من يضعون للناس تشريعات تخالف التشريعات الإسلامية لتكون منهجاً يسير الناس عليه، فإنهم لم يضعوا تلك التشريعات المخالفة للشريعة لإسلامية إلا وهم يعتقدون أنها أصلح وأنفع للخلق. إذ من المعلوم بالضرورة العقلية والجبلة الفطرية أن الإنسان لا يعدل عن منهاج إلى منهاج يخالفه إلا وهو يعتقد فضل ما عدل إليه، ونقص ما عدل عنه). انتهى كلام الشيخ

التوضيح:

أولاً: ينبغي أن نلحظ أن الشيخ -رحمه الله- جعل أصل تكفير أصحاب القوانين الوضعية هو اعتقادهم أنها أصلح وأنفع للخلق، إذ قال: (هم يعتقدون أنها أصلح وأنفع للخلق).

ثانياً: يدل على ذلك أنه ذكر في أول كلامه ”أنه من لم يحكم بما أنزل الله استخفافاً أو احتقاراً له أو اعتقاداً أن غيره أصلح منه وأنفع للخلق“ ثم قال ”ومن هؤلاء من يضعون للناس تشريعات تخالف التشريعات الإسلامية“. إذاً تبين أن أصل تكفير الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله تعالى- مبني على الاحتقار أو الاستخفاف أو الاعتقاد بأن غيره أصلح منه. وهذا هو الصحيح الذي فصله العلماء، بينما من لم يعتقد ذلك أو لم يستحله فليس بكافر.

ثالثاً: ثم لو قلنا جدلاً بأن الشيخ حكم بكفرهم مطلقاً دون القيود التي ذكرها في أول كلامه، فإنه حكم بذلك من خلال قرائن استدل بها أنهم لا يفعلون ذلك إلا وهم يعتقدون أنها أصلح وأنفع للخلق. وهذه القرائن ظنية من قبل الشيخ وليست قطعية. وهذا الظن من قبل الشيخ ليس أحسن حالاً من ظن أسامة بن زيد t وعمر بن الخطاب t وأسيد بن حضير t في تكفير من ظنوهم كفاراً وأنكر عليهم النبي r تلك الظنون.

رابعاً: الظن بكفر عبد ما لا يستوجب عملاً بمقتضاه ولا يقتضي تكفيره

إذا ظن المسلم بآخر أنه كافر، فإنه لا يحق له أن يتعامل معه بمقتضى ظنه، إذ لا يجوز إخراج المسلم من الإسلام بالظن الغالب وإنما يخرجه باليقين، ولا عبرة بظنه الغالب وإن تعامل معه بالحذر من خلال تلك القرائن فلا بأس بذلك.

لقول النبي r لأسامة بن زيد عندما قتل رجلاً كان يفتك بالمسلمين، ولما علاه أسامة بالسيف قال الرجل: لا إله إلا الله. فقال رسول الله r لأسامة: أقال لا إله إلا الله وقتلته؟ قلت: يا رسول الله إنما قالهاً خوفاً من السلاح. قال: أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا؟ فما زال يكررها حتى تمنيت أني أسلمت يومئذٍ) أ.هـ

لذا إذا قال بعض العلماء عن قيام رجل بفعل ما (ما أظنه إلا أن يكون صادراً عن كفر قلبي) فلا يقتضي ذلك حكماً بالكفر عليه، ولا قيام جميع الأحكام الشرعية المتعلقة بالكفر والردة عليه، فما هو إلا ظن كظن أسامة t.

ويقوى ذلك: أن النبي r أنكر على عمر بن الخطاب t عندما غلب على ظنه نفاق حاطب بن أبي بلتعة المؤمن عندما شعر أنه خان النبي r، وأن ذلك صادر عن كفر قلبي، فقال عمر t: دعني أضرب عنق هذا المنافق. فقال r: وما يدريك يا عمر؟ لعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم“. رواه أحمد والشيخان.

وكذلك مما يدل على خطأ الظن الغالب في الحكم بالكفر وعدم التعويل عليه ما حكم به أسٍيد بن حضير t على سيد الخزرج سعد بن عبادة المؤمن t انتصاراً لله ولرسوله r ولعرض رسول الله r. حينما انتصر سعد بن عبادة لعبد الله بن أبي ابن سلول المنافق في حادثة الإفك ودافع عنه، فظن أسيد أن ذلك لا يصدر إلا عن نفاق قلبي بسعد. فقال له: (إنك منافق تجادل عن المنافقين). رواه البخاري ومسلم

خامساً: لازم المذهب ليس بمذهب.

إذ قد يعمل أحدهم عملاً ويرى رأياً. ويأتي آخر ويلزمه بإلزامات واعتقادات لا يعتقدها الأول ولا يلتزمها، فلا يصح حينئذ أن يلزم بها، إلا إذا أقر الأول بهذه الالتزامات واللوازم. لذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (لازم المذهب لا يجب أن يكون مذهباً. بل أكثر الناس يقولون أقوالاً ولا يلتزمون لوازمها). مجموع الفتاوى (16/461)، (20/217)، (29/42)

سادساً: ثم الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- بعد انتشار الفتوى المذكورة عنه في عهده، وجه إليه أحد المشايخ سؤالاً حولها، وذلك قبل وفاته، بتاريخ 20 ربيع الأول 1420 هـ بسؤال طويل جاء فيه:

هنا كثير من طلبة العلم يدندنون حول الحاكم الذي يأتي بشريعة مخالفة لشريعة الله عز وجل، ولا شك أنه يأمر الناسَ بها، ويلزمهم بها، وقد يعاقب المخالف عليها، ويكافئُ أو يجازي بالخير وبالعطاء الملتزم بها، وهذه الشريعة في كتاب الله وفي سنة نبيه عليه الصلاة والسلام تعتبر مخالفة ومصادمة لنصوص الكتاب والسنة. هذه الشريعة إذا ألزم هذا الحاكم بها الناس، ومع أنه يعترف أن حكم الله هو الحق، وما دونه هو الباطل، وأن الحقَّ ما جاء في الكتاب والسنة، ولكنه لشبهة أو لشهوة جرى إلزام الناس بهذه الشريعة.

... فلو أنَّ الحاكم في هذا الزمان فعل مثل هذه الشريعة، هل يكون كافراً بهذه الشريعة إذا ألزم الناس بها؟ مع اعترافه أن هذا مخالف للكتاب والسنة، وأن الحق في الكتاب والسنة، هل يكون بمجرد فعله هذا كافراً. أم لا بُـدَّ أن يُنظر إلى اعتقاده بهذه المسألة؟

ومع العلم أن كثيراً من الشباب ينقلون عن فضيلتكم أنكم تقولون أن من فعل ذلك يكون كافراً.

فأجاب الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله تعالى- قائلاً:

ما ذكره من جهة التكفير، فهي مسألة كبيرة، عظيمة، ولا ينبغي إطلاق القول فيها إلا مع طالب علم يفهم ويعرف الكلمات بمعانيها، ويعرف العواقب التي تترتب على القول بالتكفير أو عدمه، أما عامّةُ الناس؛ فإن إطلاق القول بالتكفير أو عدمه في مثل هذه الأمور يحصل فيها مفاسد.

والذي أرى أولاً:

ألا يشتغل الشبابُ بهذه المسألة، وهل الحاكم كافر؟ أو غير كافر؟ وهل يجوز أن نخرج عليه أو لا يجوز.

أما فيما يتعلق بالحكم بغير ما أنزل الله:

فهو كما في الكتاب العزيز ينقسم إلى ثلاثة أقسام:

كفر، وظلم، وفسق، على حسب الأسباب التي بني عليها هذا الحكم:

1- فإذا كان الرجل يحكم بغير ما أنزل الله تبعاً لهواه مع علمه بأن الحق فيما قضى الله به: فهذا لا يكفر لكنه بين فاسقٍ وظالمٍ.

2- وأما إذا كان يُشْرَّعُ حكماً عاماً تمشي عليه الأمة، يرى أن ذلك من المصلحة، وقد لُبِّس عليه فيه: فلا يكفر أيضاً؛ لأن كثيراً من الحكام عندهم جهلٌ في علم الشريعة، ويتَّصل بهم مَن لا يعرف الحكم الشرعي، وهم يرونه عالماً كبيراً فيحصل بذلك المخالفة.

3- وإذا كان يعلم الشرع ولكنه حكم بهذا، أو شَرَعَ هذا، وجعله دستوراً يمشي الناسُ عليه، يعتقد أنه ظالم في ذلك، وأن الحق فيما جاء به الكتاب والسنة: فإننا لا نستطيع أن نكفر هذا.

4- وإنما نكّفر من يرى أن حكم غير الله أولى أن يكون الناسُ عليه، أو مثل حكم الله عز وجل؛ فإن هذا كافرٌ؛ لأنه مُكذِّب لقول الله تبارك وتعالى: (أليس الله بأحكم الحاكمين) (التين: 8)، وقوله: (أفحكم الجاهلية يبغون. ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون) (المائدة: 50)

ثم هذه المسائل، لا يعني أننا إذا كفرنا أحداً فإنه يجب الخروج عليه؛ لأن الخروج يترتب عليه مفاسد عظيمة أكبر من السكوت، ولا نستطيع الآن أن نضرب أمثالاً فيما وقع في الأمة العربية وغير العربية). انتهى كلام الشيخ

المرجع: الحكم بغير ما أنزل الله. بندر العتيبي (109-113)

الوقفة الرابعة: الشيخ د. صالح بن فوزان حفظه الله تعالى

أولاً: قال الشيخ حفظه الله تعالى كما نقل عنه فضيلة د. فهد الخنة: (كفر من حكم بغير ما أنزل الله لا يقتصر على الجحود، بل يتناول الاستبدال التام، وكذا من استحل هذا العمل في بعض الأحكام ولو لم يجحد، أو قال: أن حكم غير الله أحسن من حكم الله، أو قال: يستوي الأمران، كما نص على ذلك أهل العلم، حتى ولو قال: حكم الله أحسن ولكن يجوز الحكم بغيره، فهذا يكفر مع أنه لم يجحد حكم الله، وكفره بالإجماع). انتهى كلام الشيخ

فهذا القول للشيخ متفق مع رأي الأئمة والمشايخ.

ثانياً: التبديل المذكور في كلام الشيخ د. صالح الفوزان في مصطلح العلماء هو كما بينه شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله: (كثيراً من الناس ينسبون ما يقولونه إلى الشرع وليس من الشرع، بل يقولون ذلك إما جهلاً وإما غلطاً وإما عمداً وافتراءً، وهذا هو الشرع المبدل الذي يستحق أصحابه العقوبة). مجموع الفتاوى (35/366)

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: (... الثالث: الشرع المبدل، وهو الكذب على الله ورسوله أو على الناس بشهادات الزور ونحوها والظلم البين. فمن قال: إن هذا من شرع الله، فقد كفر بلا نزاع كمن قال: إن الدم والميتة حلال). انتهى. مجموع الفتاوى (3/268)

قال ابن العربي في أحكامه (2/88):

(إن حكم بما عنده على أنه من عند الله فهو تبديل له يوجب الكفر، وإن حكم به هوى ومعصية فهو ذنب تدركه المغفرة على أصل أهل السنة في الغفران للمذنبين). انتهى كلامه وأقره القرطبي (6/124)، وكذا الشنقيطي.

فذكروا في التبديل قيداً وهو أن ينسب الحكم أو القانون الوضعي إلى الشرع وليس هو من الشرع بل مناقضاً له.

ثالثاً: أما الاستبدال فهو طلب التبديل على المعنى المعروف عند العلماء كما في قولك (استغاث) أي طلب الغوث. أو يأتي بمعنى أكمل أنواع التبديل المعروف عند العلماء، كما هو معلوم في اللغة عند زيادة الألف والسين والتاء كما قال تعالى: (واستغنى الله) أي كمل غناه، (استجاب الله) أي كملت إجابته.

رابعاً: أما فيما يتعلق بعدم تحرير فتوى الشيخ ابن باز رحمه الله تعالى. فإن فتاوى الصحابة رضي الله عنهم لم يقوموا هم بكتابتها. ولمَّا حدث بها تلامذتهم لم يعرضوها على الصحابة t  لينقحوها ويحرروها، ومع ذلك كتب المصنفات طافحة بفتاوى الصحابة رضي الله عنهم، وكذلك التابعون. بل ”مسائل الإمام أحمد“ عدة كتب مطبوعة لتلامذته تنقل مسائله، ولم تعرض على الإمام أحمد ليحررها وينقحها، بل كان رحمه الله تعالى لا يقبل أن يكتب أحد عنه تلك المسائل، ومع ذلك هي حجة عند الحنابلة، ومنها أخذوا الروايات عنه في المذهب.

خامساً: الشيخ د. صالح الفوزان نفسه ذكر ذلك. إذ سئل فقيل له: نسمع أن فضيلتكم لا يُفصل في قوله تعالى: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) (المائدة: 44) ونرجو الإشارة، وجزاكم الله خيراً.

فأجاب الشيخ د. صالح بقوله: لا بد -إذا سمعتم عني أو عن غيري كلاماً- أن لا تقبلوا هذا الكلام حتى تطلعوا على كلام الشخص من كتبه، أو تسمعوه من أشرطته، أما مجرد النقل والشائعات عن الناس فلا تقبلوه -مني أو من غيري- لا بد من إثبات من كتاب ألفه أو من شريط سجل من كلامه أو بالمشافهة تسألونه فيجيبكم عن ذلك. أما الاعتماد على الشائعات فإن الكثير من الناس اليوم خف عليهم الكذب وصاروا يقولون على الناس ما لم يقولوا، من أجل أن ينصروا ما هم عليه، والله تعالى يقول: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) (المائدة: 44) والنبي r يقول: ”كفى بالمرء إثماً أن يحدث بكل ما سمع“. فما كل ما سمعت يكون صحيحاً، ولا تنسبه إلى أحد حتى تتأكد وتتثبت كما قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين) (الحجرات: 6). وأنا لم أقل إن الحكم بغير ما أنزل الله بأنه كفر أكبر مخرج من الملة مطلقاً. أنا أفصل بما يفصل به العلماء في هذه المسألة مما هو معروف في كتب التفسير، وفي كتب العقائد. ليست مسألة مجهولة، إنما هي مسألة مفصلة في كتب أهل العلم في التفسير، وأقربها تفسير ابن كثير، وفي كتب العقائد وأقربها شرح الطحاوية وغيرها.

سادساً: ثم سئل فضيلة الشيخ الفوزان قيل له: فضيلة الشيخ نرجو إرواء غليلنا في مسألة التكفير التي تنازع فيها العلماء. والسؤال: هل كل قول أو فعل يستوجب التكفير والإطلاق أم ينبغي التفصيل. بمعنى أن الحاكم الذي يسن قوانين وضعية يحاد بها الله ورسوله. نكفره بمجرد الفعل أم لنا أن نسأله؟ وإذا أجاب بأنه مشغول ولا يستطيع تطبيق الشريعة فهل نقول بأنه مسلم، فيه كفر وفسق وظلم؟ أم نكفره ونخرجه من الدين؟

الجواب: أنا أرشدتكم وأحلتكم على تفسير ابن كثير أو تفسير ابن جرير أو على شرح الطحاوية لابن أبي العز، والحمد لله.

سابعاً: إليك ما نقله الحافظ ابن كثير عن ابن جرير في تفسير قول الله تعالى (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) قائلاً: اختار ”أي ابن جرير أن الآية المراد بها أهل الكتاب، أو من جحد حكم الله المنزل في الكتاب“. انتهى تفسير ابن كثير (3/111). هذا الذي أحالنا عليه الشيخ.

ثامناً: وأما قول ابن جرير فإليك نصه: (وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب قول من قال: نزلت هذه الآيات في كفار أهل الكتاب. لأن ما قبلها وما بعدها من الآيات فيهم نزلت، وهم المعنيون بها، وهذه الآيات سياق الخبر عنهم، فكونها خبراً عنهم أولى. فإن قال قائل: فإن الله تعالى ذكره قد عم بالخبر بذلك عن جميع من لم يحكم بما أنزل الله، فكيف جعلته خاصاً؟ قيل: إن الله تعالى عم بالخبر بذلك عن قوم كانوا بحكم الله الذي حكم به في كتابه جاحدين، فأخبر عنهم أنهم بتركهم الحكم على سبيل ما تركوه كافرون. وكذلك القول في كل من لم يحكم بما أنزل الله جاحداً به هو بالله كافر كما قال ابن عباس، لأنه بجحوده حكم الله بعد علمه أنه أنزله في كتابه نظير جحوده نبوة نبيه بعد علمه أنه نبي). تفسير ابن جرير (6/166-167)

تاسعاً: ما ورد في شرح الطحاوية لابن أبي العز إليك نصه: (وهنا أمر يجب أن يُتفطَّن له، وهو: أن الحكم بغير ما أنزل الله قد يكون كفراً ينقل عن الملة، وقد يكون معصيةً: كبيرةً أو صغيرة، ويكون كفراً: إما مجازياً وإما كفراً أصغر على القولين المذكورين. وذلك بحسب حال الحاكم: فإنه إن اعتقد أن الحكم بما أنزل الله غير واجب، وأنه مخير فيه، أو استهان به مع تيقنه أنه حكم الله فهذا كفر أكبر. وإن اعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله، وعلمه في هذه الواقعة، وعدل عنه مع اعترافه بأنه مستحق للعقوبة، فهذا عاص، ويسمى كافراً كفراً مجازياً، أو كفراً أصغر. وإن جهل حكم الله فيها، مع بذل جهده واستفراغ وسعه في معرفة الحكم وأخطأه، فهذا مخطئ، له أجر على اجتهاده، وخطؤه مغفور). شرح الطحاوية (323-324). فهذه المراجع هي التي أحالنا عليها الشيخ د. صالح الفوزان لما سئل عن الذي يسن القوانين الوضعية ويحكم بها.

عاشراً: إذاً تبين لنا أن قول الشيخ د. صالح الفوزان -حفظه الله تعالى- متفق مع رأي الأئمة تماما كما فصله في مقدمة كلامه، وتبين كذلك المقصود بالاستبدال عند العلماء.

الوقفة الخامسة: رأي هيئة كبار العلماء

الفتوى الأولى: رأت اللجنة الدائمة في فتواها رقم (5741) في الإجابة على السؤال الحادي عشر، ونصها كالآتي:

من لم يحكم بما أنزل الله هل هو مسلم أم كافر كفراً أكبر وتقبل منه أعماله؟

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه... وبعد:

قال تعالى: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون)، وقال تعالى: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون)، وقال تعالى: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون). لكن إن استحل ذلك واعتقده جائزاً فهو كفر أكبر، وظلم أكبر، وفسق أكبر يخرج من الملة. أما إن فعل ذلك من أجل الرشوة أو مقصد
آخر وهو يعتقد تحريم ذلك فإنه آثم. ويعتبر كافراً كفراً أصغر، وفاسقاً فسقاً أصغر. لا يخرجه من الملة، كما أوضح ذلك أهل العلم في تفسير الآيات المذكورة.

 

اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء

 

الرئيس

عبد العزيز بن عبد الله بن باز

نائب الرئيس

عبد الرزاق عفيفي

عضو

عبد الله بن غديان

 

                                                                       فتاوى اللجنة (1/780)

الفتوى الثانية:

السؤال: متى يجوز التكفير؟ وما نوع التكفير المذكور في قوله تعالى: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) (المائدة: 44)؟

الجواب:

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه.. وبعد:

أما قولك: (متى يجوز التكفير؟ ومتى لا يجوز؟): فنرى أن تُبيِّن لنا الأمور التي أشكلت عليك حتى نبين لك الحكم فيها.

أما نوع التكفير في قوله تعالى: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) (المائدة: 44): فهو كفر أكبر؛ قال القرطبي في تفسيره: (قال ابن عباس r ومجاهد رحمه الله: ومن لم يحكم بما أنزل الله رداً للقرآن وجحداً لقول الرسول r فهو كافر) انتهى.

وأما من حكم بغير ما أنزل الله وهو يعتقد أنه عاصٍ لله لكن حمله على الحكم بغير ما أنزل الله ما يُدفع إليه من الرشوة أو غير هذا أو عداوته للمحكوم عليه أو قرابته أو صداقته للمحكوم له ونحو ذلك: فهذا لا يكون كفره أكبر؛ بل يكون عاصياً، وقد وقع في كفر دون كفر وظلم دون ظلم وفسق دون فسق. وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء

 

الرئيس

عبد العزيز بن عبد الله بن باز

نائب الرئيس

عبد الرزاق عفيفي

عضو

عبد الله بن غديان

عضو

عبد الله بن قعود

 

 (فتاوى اللجنة 2/141)

وفي نهاية هذا التوضيح أسأل الله تعالى أن يجمع قلوبنا على الحق، ويهدينا سبيل الرشاد، والحمد لله رب العالمين.

                                                              عدنان عبد القادر

المزيد
من تويتر
عدد الزوار
free counters
البث المباشر
يمكنك متابعة البث المباشرة لدروس الشيخ عدنان عبد القادر، من خلال الموقع

لا يعمل البث إلا مع الدروس يمكنك معرفة المزيد عن خدمة البث المباشر
إضغط هنا